فخر الدين الرازي

513

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ذلك ، واعلموا أن اللَّه غفور ما أقدمتم عليه في الماضي من الزلة ، رحيم ما أتيتم من الجرم والمعصية ، فقوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ إشارة إلى المستقبل . وقوله : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إشارة إلى الحالة الماضية . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 70 إلى 71 ] يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 70 ) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 ) [ في قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى ] اعلم أن الرسول لما أخذ الفداء من الأسارى وشق عليهم أخذ أموالهم منهم ، ذكر اللَّه هذه الآية استمالة لهم فقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : نزلت في العباس ، وعقيل بن أبي طالب ، ونوفل بن الحرث ، كان العباس أسيراً يوم بدر ومعه عشرون أوقية من الذهب أخرجها ليطعم الناس ، وكان أحد العشرة الذين ضمنوا الطعام لأهل بدر فلم تبلغه التوبة حتى أسر ، فقال العباس : كنت مسلماً إلا أنهم أكرهوني ، فقال عليه السلام : « إن يكن ما تذكره حقاً فاللَّه يجزيك » فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا . قال العباس : فكلمت رسول اللَّه أن يرد ذلك الذهب علي ، فقال : « أما شيء خرجت لتستعين به علينا فلا » قال : وكلفني الرسول فداء ابن أخي عقيل بن أبي طالب عشرين أوقية ، وفداء نوفل بن الحرث ، فقال العباس : تركتني يا محمد أتكفف قريشاً ، فقال رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه سلّم : « أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها : لا أدري ما يصيبني ، فإن حدث بي حادث فهو لك ولعبد اللَّه وعبيد اللَّه والفضل » فقال العباس : وما يدريك ؟ قال : « أخبرني به ربي » قال العباس : فأنا أشهد أنك صادق وأن لا إله إلا اللَّه وأنك عبده ورسوله ، واللَّه لم يطلع عليه أحد إلا اللَّه ، ولقد دفعته إليها في سواد الليل ، ولقد كنت مرتاباً في أمرك ، فأما إذ * أخبرتني بذلك فلا ريب . قال العباس : فأبدلني اللَّه خيراً من ذلك ، لي الآن عشرون عبداً ، وإن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً ، وأعطاني زمزم ، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة ، وأنا أنتظر المغفرة من ربي . و روي أنه قدم على رسول اللَّه مال البحرين ثمانون ألفاً ، فتوضأ لصلاة الظهر وما صلى حتى فرقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه ، فأخذ ما قدر على حمله ، وكان يقول : هذا خير مما أخذ مني ، وأنا أرجو المغفرة . واختلف المفسرون في أن الآية نازلة في العباس خاصة ، أو في جملة الأسارى . قال قوم : إنها في العباس خاصة ، وقال آخرون : إنها نزلت في الكل ، وهذا أولى ، لأن ظاهر الآية يقتضي العموم من ستة أوجه : أحدها : قوله : قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ وثانيها : قوله : مِنَ الْأَسْرى وثالثها : قوله : فِي قُلُوبِكُمْ / ورابعها : قوله : يُؤْتِكُمْ خَيْراً وخامسها : قوله : مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وسادسها : قوله : وَيَغْفِرْ لَكُمْ فلما دلت هذه الألفاظ الستة على العموم ، فما الموجب للتخصيص ؟ أقصى ما في الباب أن يقال : سبب نزول الآية هو العباس ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . أما قوله : إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يجب أن يكون المراد من هذا الخير : الإيمان والعزم على طاعة اللَّه وطاعة رسوله في جميع التكاليف ، والتوبة عن الكفر وعن جميع المعاصي ، ويدخل فيه العزم على نصرة الرسول ، والتوبة عن محاربته .